السيد محمد الصدر
411
منة المنان في الدفاع عن القرآن
إذن فمن الممكن جعل الصدور قرينة متّصلة على كون المراد حصول التحصيل في الدنيا . فإن قلتَ : فإنَّ قوله تعالى : وبُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ قرينة قطعيّة على أنَّه يحصل في الآخرة ؛ لأنَّ بعثرة القبور تكون يومئذٍ . قلت : يمكن المناقشة في ذلك بوجوه : أوّلًا : أنَّ الآية غير واضحة في أنَّ البعثرة والتحصيل يكونان في زمان واحد ، وإن كان لا يبعد أن تكون الإشارة إلى السابق قبل اللاحق . ثانياً : أنَّه يمكن أن يكون للقبر معانٍ أُخرى ؛ فإنَّ حاصله وجود ما هو مخفيٌّ فيه ، وهو الميت وظهوره بعد الكمون ، وكذلك كوامن النفس لا حركة فيها كالميّت ، فتخرج بالتمحيص ، وكذلك الذاكرة ؛ فإنَّ المنسيَّ بمنزلة الميّت ، فيظهر بالتذكّر . وحيث قلنا : إنَّ الأقرب تحصيل ما في الصدور في الدنيا ، فبعثرة القبور أيضاً يكون بالمعنى المناسب لها ، ومن الواضح أنَّ البعثرة من قبيل إزالة المانع في طرف العلّة ، والتحصيل بمنزلة المعلول ، فيكون الأوّل متقدّماً على الثاني ، وقوله : يَوْمَئِذٍ يدلُّ على أنَّ المراد كلا هذين المعنيين ؛ لأنَّ يومهما واحدٌ عرفاً . سؤال : أثاره الرازي في هامش العكبري حيث قال : كيف قال الله تعالى : إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ، مع أنَّه أخبر بهم في كلّ زمان ، فما وجه تخصيص ذلك اليوم ؟ « 1 » . جوابه : ما ذكره في جوابه بقوله : معناه : أنَّ ربّهم سبحانه مجازيهم يومئذٍ عن أعمالهم ، فالعلم مجازٌ من المجازات . ونظيره قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا
--> ( 1 ) أُنموذج جليل : 586 ، سورة العاديات .